ما الفائدة من تكوين عادات جيدة؟

on

 

لما كان “فورست جمب” يمشي، والدعامات على ساقيه، مع صديقته “جيني”، تنمر عليه بعض الصبية وضايقوه بألسنتهم. لحظتها، صاحت “جيني” فيه، “اركض، فورست، اركض”، وكانت الكلمة كفيلة بأن ينطلق راكضاً بأقصى ما في وسعه، ناسياً إعاقته، حتى أنه تمكن من التغلب عليها، وأضحى أسرع صبي في منطقته. لم يكن “فورست” الأذكى بين أقرانه، وبمعدل ذكاء متدنٍ، ولكنه امتلك شخصيةً فريدةً لم يتحل بها الكثير منا، ربما كان ذلك نتاج ما عاناه من صعوبات التعلم، وربما لأنه لم يلق بالاً أو ينتبه لنظرة الآخرين له ولإعاقته، علاوة على عبارات التشجيع التي حرصت أمه أن تسمعه إياها وعلى أن تؤكد له أنه لا يقل عن أي صبي آخر، ولذلك لم يعرف أنه أسير حدود، ولذلك كان يبادر بالقيام بكل ما يشغف به ومن دون تفكير في العواقب على الإطلاق. وفي تلك التحفة السينمائية الخالدة، “فورست جمب”، وببراعة أداء “توم هانكس” للشخصية، تابعناه وهو يحقق آمالاً كباراً وأموراً لا يسع كثيرين منا سوى أن يحلموا بها وحسب، وكل هذا برغم إعاقته، التي تبين أنها كانت مبعث قوته والنقطة التي انطلق منها دون أن يتوقف مرة أخرى. ويقول البعض أنه حقق ما حققه لأنه لم يكن يعرف حقيقة أنه معاق، ولهذا آمن بأنه قادر على القيام بكل ما يريد.

 

للنقلة العقلية، أو “النقلة النوعية” كما أسماها ستيفن كوفي، مفعول السحر إن حدثت على النحو المأمول. حينما يقتنع عقلك بأنك قادر على فعل شيء ما أو أن ذاك الشيء ممكن التحقيق، فعندئذ يعمل جسدك بالكامل وتحتشد سلوكياتك وعاداتك لأجلك حتى تحقق الإنجاز المطلوب، باذلاً في ذلك كل جهد عقلي أو جسدي. ومن المفارقات، أنك إن صدقت أنك عاجز عن فعل شيء ما، فلسوف ينطبع ذلك في عقلك الباطن حتى أنك تبقى عاجزاً عن تحقيقه مهما حاولت. ومؤخراً، شاهدت فيديو عن نظرية التأثير، استضاف فيه “توم بيلو” في برنامجه “تريفور معوض”، الرئيس التنفيذي لمؤسسة ليمتلس مايندز Limitless Minds، والذي حكى قصة ملهمة عن شاب كان فاشلاً غير منتظم في دراسته، ويرسب في اختباراته. وذات يوم، كان عليه اجتياز اختبار SAT، وحصل على درجة عالية جداً، الأمر الذي دفعه إلى تغيير مسار حياته، من فاشل إلى ناجح حقق نتائج مذهلة طوال حياته. وقد اكتشف ذلك الشخص الذي حصل على الدرجة العالية بعد سنوات عديدة أن نتيجته كانت خطأ، وأنه تحصل في الواقع في اختبارSAT  على درجة متدنية للغاية. هكذا نرى أن لذلك الخطأ فضل في أن يؤمن الشاب بقدرته على تحقيق النجاح، وبالتالي غير من عاداته وأسلوب حياته حتى تحول إلى شاب ناجح، وذلك ما أحدث الفارق اللافت.

 

يكمن السر وراء تحقيقنا نتائج رائعة على الدرب إلى أحلامنا في تبني غايات وأهداف واضحة نسعى وراءها، وكذلك فيما نطبقه من نهج وأسلوب حياة حتى نحقق تلك الغايات والأهداف. سمعنا من قبل أن الناجحين يستيقظون مبكراً وينامون مبكراً، وأنهم يستغلون ساعات الصباح في القيام بأنشطة تنمي شخصيتهم. وأن الفارق في تقسيم ذلك الوقت الصباحي بين التمرين البدني والتأمل والقراءة والتحضير لليوم. إنهم يستيقظون في حوالي الخامسة صباح كل يوم لممارسة تلك الطقوس، وهو الوقت الذي تكون عقولهم في أهدأ حالاتها وأوضحها، وبالتالي يمكنهم ممارسة روتينهم اليومي والتركيز على ما يريدون تحقيقه دون أي مسببات إلهاء.

 

وحينما تفكر ملياً في هذا المفهوم وتلك القيمة المضافة في الاستيقاظ باكراً، تدرك أن الأمر لا يتعلق بأنك تبدأ يومك قبل غيرك ببضع ساعات، أو بأنها ساعات صفاء عقلك وحسب. أنت هنا تتحكم في وقتك وتمتلك فرصة أكبر في حسن إدارته، والأهم من ذلك أنك تتبع نظاماً في ممارسة تلك العادات أو الطقوس اليومية.

 

وبطبيعة الحال، يصعب عليك كثيراً اكتساب تلك العادة طالما كنت من غير المبكرين بيومك، مع أنك تعرف وتعي مزايا الاستيقاظ مبكراً وفائدة تلك الطقوس الصباحية، إلا أنك غير مقتنع بإعادة ضبط منبهك من السابعة صباحاً إلى الخامسة. ربما تجرب ذلك ليوم أو يومين، ولكنك سرعان ما تمل وتتعب أو تتكاسل وتسوّف، لتعود بمنبهك إلى جرس السابعة. فما هو مكمن الخطأ هنا؟ لنقل أنك كنت أشد تركيزاً، بأكثر من اللازم، على جني ثمار الاستيقاظ باكراً، مقارنة بتركيزك على اعتياد الاستيقاظ باكراً. الحقيقة أن كل ما تحتاج إليه هو إتقان تلك العادة من خلال اتباع عادات صغيرة تدريجية ومتسقة، وما أن تتقن تلك العادة الجديدة وتتكيف معها، حتى يتجلى لك الفارق بشكل كبير. وكنت قد قرأت كتاباً مثيراً للاهتمام عنوانه “العادات الذرية” Atomic Habits لجيمس كلير، حيث يعلمك كيفية التكيف مع العادات الحميدة الجديدة والتخلص من العادات السيئة المعوقة. يقول كلير في كتابه أن قوام أي نظام أو عملية هو مجموعة عادات، وما أن تتقن تلك العادات حتى يكون لديك نظام راسخ ومن ثم تكون أي أهداف تفكر فيها ثمرة هذا النظام. ويعتمد اكتساب العادات أو تغييرها دوماً على التركيز على ما ترغب في أن تكونه وليس على ما تريد تحقيقه، أي أنه تركيز على الهوية. ويتحدث الكتاب عن أربعة قوانين رئيسة عليك تطبيقها حتى تتمرس على العادات الجديدة:

 

1. الوضوح: صمم البيئة التي تكون فيها محفزات اكتساب العادة واضحة جلية

 

2. الجاذبية: اجمع بين فعل تحتاجه وفعل ترغبه، وحدد لذلك طقوساً تحفيزية

 

3. السهولة: اختزل عدد الخطوات التي عليك اتباعها للوصول إلى اكتساب عادتك الجديدة

 

4. الإشباع: اربط كل ذلك بجائزة لك، تشجعك على الالتزام بتلك العادة

 

ختاماً، أقول بأن جوهر كل ذلك هو العقلية ووعيك بذاتك، ومدى القوة التي تمتلكها من أجل التكيف والتغيير إلى نسخة جديدة أفضل من ذاتك. وعليك أن تتذكر أن الأمر لا يتعلق بعدد الأيام أو الأسابيع التي يجب عليك ممارسة العادة خلالها، بل يتعلق بالتكرار والمداومة، وأن عليك تكرارها لفترة كافية لتجاوز عتبة أن تصبح تلك العادة لا إرادية بلا هدف. واعلم أن العادات تمثل ما يتجاوز أربعين في المائة من يومنا، ولذلك كلما زادت العادات الحميدة التي تتبعها، كلما كانت أيامك أحلى وحياتك أفضل. وأودعك مؤقتاً بهذه الكلمات لهنري فورد “سيان إذا كنت تعتقد أنك تستطيع أو كنت تعتقد أنك لا تستطيع، فأنت محق في الحالتين”.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s