كيف تدير الحوارات الصعبة

on

 

“‫لا أعرف إن كان صمت “تشارلي” هنا اليوم صواباً أم خطأ، فلست بقاضٍ أو محلف، لكنني أقول لكم أنه ليس بمن يشي بأحد ليضمن مستقبله. تلك يا أصدقائي ما تسمى بالنزاهة”. عندما وقف “فرانك سليد”، الذي لعب دوره النجم “آل باتشينو” في فيلم “عطر امرأة”، ليدافع عن الشاب “تشارلي” مجادلاً رئيس الجامعة، استخدم أساليب ينال بها من مصداقية الرجل ويشجع ويحفز الحاضرين للتعاطف مع موقف “تشارلي”، إلا أن مالوا جميعاً في نهاية المطاف تجاه “تشارلي” وأيدوه في مواجهة رئيس الجامعة الذي وجد نفسه مضطراً للتراجع عن قراره، في واحد من أهم وأشهر المشاهد الخطابية والحوارية في تاريخ السينما

 

لا شيء أشد وطأة على القلب من أن يجد المرء نفسه مضطراً إلى الدخول في حوار صعب، وهو موقن من أنه سيستنزفه روحاً وعقلاً ووجداناً. وربما يكون ذلك الحوار مناقشة تقييم لأدائك مع رئيسك في العمل، بينما تخشى ألا يتفق معك في رأيك بشأن إنجازاتك، أو هو موقف يضعك أمام موظفيك بينما تحاول أن تشرح لهم توجهك إلى تقليص حجم العمل وأنه يتعين عليك التخلي عن البعض منهم، وأنت تعلم أن الأمر لا يتعلق بمستوى أدائهم بل هو قرار مالي بحت، وتدرك أن تبعات هذا القرار سوف تطال عائلاتهم ورفاه حياتهم، أو ربما هو حوار يجمعك بزوجتك في حديث عن أزمات العلاقة بينكما، بينما تحاذر تلك المواجهة، خشية أن تسمع ما لا تود سماعه. ما أقصده وبعبارات بسيطة هو أي موضوع تجد صعوبة في التحدث فيه، وأن تعلم أنك ستكون الطرف الأضعف أو أنك تخاطر خلال ذلك باحترامك لذاتك، وربما تشعر بالحرج عند التحدث فيه، أو أن لديك مشاعر عميقة تجاهه، أو تهتم كثيرًا لأمر الشخص الذي سوف تناقش الموضوع معه.

 

بدايةً، دعنا نتفق على قواعد أساسية تمهيداً للشروع في هذه المناقشة:

 

1. “افهم قبل أن تُفهم”. هذه نصيحة “ستيفن كوفي” من كتابه “العادات السبع للأشخاص الأشد تأثيراً”. فمن طبائع الإنسان الذي يجد أذناً مصغية له أن يشعر بالارتياح والثقة والرغبة في المصارحة، وأن يكون على استعداد للتحدث وفهم وجهة نظر الطرف الآخر.

 

2. “اهتم لمشاعر الآخر”. عندما يحدثك أحد عن مشاعره تجاهك (سعادة، غضب، تعاسة، بهجة، وما إلى ذلك)، فلا يكون من حقك أن تستهين بتلك المشاعر أو تنكرها وتخبره أنها مشاعر مغلوطة. عليك أن تهتم لها، حتى وإن كنت لا تتفق بشأنها، ومن ثم حاول أن تفهم الأسباب التي تدفعه إلى تبني تلك المشاعر تجاهك.

 

3. “لا تفترض أنك تعرف مقصده”. وقتما تعبر عن رأيك، تحدث دائمًا عن شعورك أنت حيال الموقف ووجهة نظرك أنت، ولا تحاول أبدًا افتراض أنك تعرف ما يشعر به الطرف الآخر. يمكنك أن تقول إنك تشعر بغضب أو حزن أو تأذي، ولكن لا تقل بأنك تشعر بأن الآخر يظهر ما لا يبطن أو أنه لم يعد يحبك أو لا يعاملك بإنصاف مثل زملائك الآخرين، وعلى هذا النحو. فهو افتراض لن يؤدي إلا إلى استماتة الآخر في الدفاع عن نفسه. (على سبيل المثال، لا تقل “أشعر أنك لا تحبني، أو لماذا لم تكن جواري وقت كنت بحاجة إليك” بل قل له “شعرت بالوحدة أو بالتأذي أو بالحزن أو أنني بحاجة إلى مساعدتك”).

 

كتاب “محادثات صعبة” Difficult Conversations من بين الأكثر مبيعًا على قائمة نيويورك تايمز، وهو يتناول فن إدارة المحادثات الصعبة وكيف يجب أن نتعامل معها من جميع الجوانب، سواءً أكانت محادثات في العمل أو شخصية. وأنا أوصيك بقراءته، فقد كان ما ألهمني كتابة هذا المقال.

 

تندرج أي محادثة من هذا النوع ضمن أنواع ثلاثة، وعلينا أن ندرك دوماً نوعية المحادثة التي نحن طرف فيها، حتى يتسنى لنا تقييم مشاعرنا وأن ندير المحادثة على النحو المأمول.

 

1. محادثة الواقعة التي جرت. يعتقد طرفا الحوار أن كلاً منهما هو صاحب النسخة الحقيقية للقصة ويعرف حقيقة ما حدث. وعلاوة على ذلك، فإننا نعتقد دائمًا معرفتنا الحقيقة ونوايا الآخر ومن هو المذنب بالفعل. والواقع أن أغلب الجدل يدور حول تصورنا لما حدث وتفسيراتنا نحن وما نقارنه من قيمنا والجانب المهم بالنسبة لنا. فما المفترض أن تقوم به؟ اسع لفهم الطرف الآخر، بأن تطرح عليه أسئلة. وكما قال “ديل كارنيجي”، “الاهتمام معادلة من طرفين”.

 

2. محادثة المشاعر. في حديثنا عن مشاعرنا ضعف وانكشاف. نشعر أن صراحتنا تعرينا، وأننا قد نفعل أو نقول شيئًا غير لائق، ونبقى على خشية من أن يتجاهل الطرف الآخر مشاعرنا ولا يقدرها، بكل ما قد يسببه لنا ذلك من أذى. ولكن المشكلة هي أننا إذا لم نعبر عن مشاعرنا، فلن نكون قادرين عندئذ على الاستماع إلى الجانب الآخر، لأننا سنبقى مشغولين للغاية بكبت مشاعرنا حتى لا تظهر على السطح. وفي كثير من الحالات، تكون مشاعرنا تجاه موضوع ما سبباً في حاجتنا للتحدث، وهو أمر يجب أن نعيه، أي أن علينا تحديد ما يجب التركيز عليه في المحادثة. فما المفترض أن تقوم به؟ تأكد من أنك على دراية بمشاعرك قبل أن تتحدث، وأنك تجيد التعبير عنها بشكل صحيح حتى لا يتحول الحوار إلى مجرد فضفضة، وكن مستعدًا للإنصات لمشاعر الطرف الآخر والاهتمام لها، وتذكر دائمًا أن مشاعرك هي تعبير عن تصورك لوضع ما وليست بالحقيقة المطلقة.

 

3. محادثة الهوية. هذه نوعية صعبة، لأنها تتعلق بنظرتنا لأنفسنا ونحن نستغرق في المحادثة وكذلك ونحن ننتهي منها. هل أنا أهلٌ لحبها؟ هل أستحق علاوة راتب؟ هل أعتبر سيئاً بعد قيامي بتسريح كل هؤلاء من وظائفهم؟ هناك ثلاث هويات أساسية تخاطر بها في المحادثة؛ 1) هل أنا كفؤ؟ 2) هل أنا جيد؟ و3) هل أستحق الحب؟ ويجب على المرء أن يكون على دراية بالهوية الأساسية أثناء المناقشة حتى لا يسمح لأي نتيجة بأن تؤثر على قبولنا لهويتنا في هذا العالم، أو أن تحدد من نكون.

 

والانتباه إلى الأنواع الثلاثة قبل الدخول في حوار جاد في غاية الأهمية، لمساعدتك في تقييمه وتوجيهه نحو الأهداف المرجوة وحتى تكون على تركيزك في الخروج بنتيجة منه، بدلاً من الانغماس في المشاعر أو الجدال الشرس حول أي الطرفين على حق. وحتى نقوم بذلك، علينا تعلم كيفية الانتقال نحو “محادثة تعلم” حيث يركز حوارنا على تعلم وجهة نظر الطرف الآخر والحرص على أن يتعلم وجهة نظرنا، وربما نتعلم أن وجهة نظرهم أكثر منطقية أو أن هناك حل وسط يرضي كلينا.

 

ذات يوم، هاتفتني صديقة وهي تستشيط غضباً: “إنه لا يحبني ولا يهتم لي، وكل همه هو الخروج كل ليلة مع أصدقائه”. وبعد محادثة طويلة والكثير من البحث والتمحيص، أخبرتني أن زوجها خرج مع أصدقائه في آخر ليلتين وأنها لامته على خروجه كل ليلة وتجاهلها وعدم الخروج معها، وأخبرته أن كل ما يهتم به هو أصدقاءه. وبعد حوار طويل، اتضح أن أسباب غضبها هي أنها كانت تتوق إلى أن تحكي لزوجها عن أنها مرت بأسبوع صعب في العمل، وتشاجرت مع رئيسها، وعن أنها لم تحصل على الترقية التي كانت تنتظرها، حتى تزيح تلك الهموم عن صدرها، وحتى تشعر بأنه إلى جوارها ويدعمها. عندما نكون في مثل هذا الموقف أحياناً، فإننا نميل إلى الشجار وافتعال الأسباب ونغضب من كل فعل أو كلمة من جانب أزواجنا وزوجاتنا، في اعتقاد بأنها أفضل طريقة لجذب الانتباه إلى الموقف الأساسي وحتى نبدي حقيقة مشاعرنا تجاه ما نحتاجه. لذلك، كان من الأفضل لها أن تدرك حقيقة مشاعرها وأن تعرف ما تحتاجه ومن ثم تطلب منه البقاء في تلك الليلة لأنها تحتاج إلى مساندته ودعمه ووقوفه بجانبها.

 

هناك عدة أساليب لإدارة محادثة التعلم؛ إحداها الحكي من خلال طرف ثالث. تخيل أنك في خلاف مع صديق، ورأيتما أن تطلبا من صديق ثالث أن يدلي برأيه في الموقف. وبالتالي، سوف ينظر هذا الشخص الثالث إلى الأمور بعين جديدة ومن منظور مغاير محايد وبالتالي سيرى جانبي الموقف، ويصل إلى حكم أفضل عليه. لذلك، عندما تدخل في حوار صعب حاول أن تنظر إلى الحوار بعين شخص ثالث يراقب الحوار ويحلله من جانبه. فمن شأن هذا أن ينزع فتيل التوتر ويجعل كل طرف أكثر استيعاباً لكلام الطرف الآخر.

 

قد لا نحصل على ما نرغبه في بعض الأحيان، ولكن هذا سيكون من خلال طريقة أكثر تحضراً، حيث لا ننتهي إلى اتفاق ولكننا حرصنا في ذات الوقت على ألا تتحول المحادثة إلى مواجهة عدائية لها ضحاياها.

 

وختاماً، أود أن أقول لك أنك طالما رغبت في أن تكون طرفاً في حوار أو محادثة فعليك أن تمارس دورك كاملاً فيها، وألا تكتفي ببعض كلمات أو تلميحات أو إيماءات. كن مستعداً، جاهزاً، ومتحكماً في مقاليد الحوار.

 

المصادر: “محادثات صعبة – كيف تناقش الأهم” – دوغلاس ستون، بروس باتون أند شيلا هين

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s