أنا أتحكم بمسار حياتي

 

 

ربما يمثل فيلم الرسوم المتحركة (INSIDE OUT) أحد أفضل الأفلام التي تصف آلية عمل عواطفنا من خلال منحها شخصية أو بيرسونا كما لو كان كل منها شخصاً حياً داخل رؤوسنا. يتم تقديم كل عاطفة عبر شخصية تشبهها مثل الحزن والسعادة والغضب وغيرها، وتتبدل أفعالنا تبعاً لـ”الشخصية” التي تمسك بدفة القيادة في رؤوسنا. ولعل أكثر ما شدّ اهتمامي في الفيلم هو كيف تمكنت شخصية الحزن- من خلال لمس كرات الذاكرة- التأثير على الخطوات التالية ونتائجها في حياة رايلي. في حال لم تشاهد الفيلم، فإن رايلي، بطلة الفيلم، هي فتاة صغيرة تعاني في التكيف مع الانتقال إلى سان فرانسيسكو وتفتقد صديقاتها ومدرستها وحياتها القديمة. لذا، عندما كان الحزن يتولى عجلة القيادة، أخذ الدماغ بجذب الكآبة والسلبية. فجأة، بدأت المشاكل تحيط برايلي، وكان كل شيء تفعله يضيف المزيد من المصاعب إلى حياتها.  

 

إننا نجذب الأفكار التي نعززها في أذهاننا. فإذا سمحنا للخوف بالسيطرة علينا، سوف نخفق دوماً وسنجذب الفشل إلينا باعتباره اقتناعاً مؤذياً بما نعتقده حقاً عن أنفسنا. إذا لم نكن واثقين من قدرتنا على الفوز بهذه الوظيفة أو النجاح في ذلك المشروع، أو أياً كان الهدف الذي نصبو إليه، إذا كنت لا تؤمن بصدق أنك تستحق ذلك، فإن عقلك الباطن سوف يتبع أوامرك ويلبي رغبتك، ولن تنجح أبداً.  

 

يمتلك كلٌّ منا عقلين في أدمغتنا: العقل الواعي الذي نستخدمه لممارسة الحياة كما نعرفها، والعقل الباطن الذي يضطلع بأداء جميع الأنشطة التي نقوم بها باللاوعي. يمكن تشبيه العقل الباطن بطالب مستجد في الجيش؛ مهما كانت الأوامر التي يتلقاها من قائده، وهو في هذا السياق عقلك الواعي، سوف يتبعها بحذافيرها حرفياً ومن دون طرح أي أسئلة، وعندما يُطلب منه القيام بشيء ما، فإنه ينفذه بكل إتقان. تخيل على سبيل المثال أنك تقود سيارتك إلى المنزل بعد يوم طويل في المكتب. أصبحت هذه العملية آلية وتلقائية في رؤوسنا لدرجة أنك بالكاد تفكر بالطريق أو الاتجاه الذي تسلكه. وفجأة، تجد نفسك في المنزل دون أن تلاحظ، بينما ربما كنت تفكر في مليون شيء أثناء القيادة. كيف حدث ذلك؟ ببساطة، كان عقلك الباطن يمسك بزمام القيادة.  

 

ليس هذا المفهوم بجديد؛ حيث أن جميع الأديان والفلسفات القديمة تعلم أتباعها أن التفكير الإيجابي والإيمان بالله أو الإله أو الكون أو أي كائن أسمى تؤمن به، سوف يستجاب لدعواتك بطريقة أو بأخرى. وبالتالي، هذه ليست تعليمات دينية؛ حيث يمكن أن تستجاب دعوات أي شخص- بغض النظر عن دينه- إذا كان يعرف كيفية استخدام قوة عقله الباطن. إذا كنت تؤمن صادقاً أنك ستحصل على ما طلبته، فستحصل عليه. عليك أن تؤمن، في أعماقك، أنك ستحصل على ما تريد وأنك تستحقه. بالطبع شريطة أن يكون تحقيق ما تربو إليه لا يستلزم إيذاء نفسك أو الآخرين. أعلم أن كلامي يبدو وكأنه مجرد خطاب آخر عن الإيجابية وتأثيرات قانون الجاذبية، لكن هذا الموضوع يمثل أكثر من مجرد خطابات. ولقد درس العلماء قوى العقل الباطن، وهم يؤكدون قدراته على التأثير في حياتنا بالطريقة التي نتمناها، وأن أفكارنا وحالتنا العاطفية تتحكم بما يدخل في حياتنا.  

 

توجد آية في القرآن الكريم تحتوي على تعليمات بسيطة وواضحة حول كيفية تحقيق الاستجابة لدعواتك. تقول الآية: ” ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ”. [سورة غافر، الآية 60]. يقول الله تعالى إننا إذا دعونا من أجل شيء ما، فعلينا أن نؤمن به أنه سوف يلبي حاجتنا. نحن بحاجة إلى بذل الجهد والعمل الجاد والوقت، مع اقتناع عميق أننا سنحقق غايتنا، وأنه سوف يستجيب لدعائنا. نحن نمتلك كل الإمكانات اللازمة لتحقيق النجاح والازدهار. وكل ما نحتاج إليه هو معرفة كيفية استخدام قوى العقل الباطن هذه.  

 

من منا لم يتحدث أبداً مع نفسه بأفكار سلبية وشعور بالذنب لسبب أو لآخر، ثم نجد أن الأمور تزداد سوءاً. ونلمس أن الأمور لا تتحسن إلا عندما نقرر أننا بحاجة إلى النهوض و”تغيير طريقة تفكيرنا” بشأن الموقف (تأكيدات إيجابية للعقل). لكن انتبه هنا، فالعقل الباطن ليس سحراً، وإنما هو المحرك الذي يسمح لك بإنشاء هذا السحر شريطة أنه لا يزال يتعين عليك القيام بكل العمل الشاق الذي يمهد لك بلوغ هدفك. إنه مصدر الطاقة لجسدك وروحك، لذلك لا يمكنك المضي قدماً دون تلك الطاقة، ولا يمكنك التطور أو النجاح في أي شيء تريده أو ترغب فيه قبل أن تتمكن من توجيه عقلك الباطن للقيام بذلك. باختصار، حتى تحصل على نتائج مختلفة، لا بد لك من تغيير سلوكك. وحتى تغير سلوكك، ينبغي عليك تغيير الحالة العاطفية التي تعيشها في الوقت الحالي. لذا، سواء كنت تمر بيوم سيء أو جيد، فأنا أؤكد لك أنه نتيجة اختيارك وقرارك، وهذا يتوقف على كيفية توجيه عقلك الباطن لرسم مسار يومك.  

 

يعتبر كتاب “قوة عقلك الباطن” للدكتور جوزيف مورفي أحد أفضل الكتب حول هذا الموضوع والتي تتحدث عن قوى العقل الباطن وكيفية استخدامها لصالحك. ضع في اعتبارك أن العقل الباطن لا يعي ما إذا كان ما تقوله لنفسك دقيقاً أو أنك تشعر بالإحباط أو تمزح فقط. سوف يأخذ كلامك على ظاهره ويعمل تبعاً له، مثل أي جندي كُفء. كما يتحدث الكتاب عن اللحظات الأكثر أهمية في يومك والتي ينبغي عليك الانتباه إلى أفكارك خلالها، وهي آخر 10-15 دقيقة قبل أن تخلد إلى النوم، وأول 10-15 دقيقة بعد الاستيقاظ. ومن الأفضل أن تكون مدركاً للأفكار التي تغذي عقلك في تلك الأوقات لتضمن أن تكون جميعها تأكيدات إيجابية. إذ من غير الممكن أن يكون لديك، مثلا، اجتماعا مهما في الصباح، وكل ما تفكر فيه قبل أن تخلد للنوم هو إلى أي درجة سيكون عرضك سيئاً أو السماح للخوف بالسيطرة عليك، فذلك سيكون بمنزلة تحضير نفسك للفشل. بدلاً من ذلك، عليك أن تؤمن أنك ستكون رائعاً وستبلي بلاءً حسناً. عليك أن تتخيل نفسك، بصرياً في رأسك، أن اجتماعك سيكون ممتازاً، وأن تتخيل نفسك على منصة العرض أو أمام إدارتك. عندها فقط سيأخذ عقلك الباطن هذا الأمر على محمل الجد ويمنحك كل الثقة والطاقة التي تحتاجها.  

 

بناءً على خبرتي الشخصية، إليك ما أنصحك به:  

 

1. ابدأ بأهم ثلاث أمنيات أو أحلام أو رغبات.  

 

2. اكتبها بطريقة محددة وقابلة للقياس.  

 

3. استخدام الدلالات الإيجابية، وتجنب أي كلمات سلبية أو هدّامة مثل “لا أريد” أو تمني الأذى لشخص آخر.  

 

4. تجنب استخدام الكلمات مثل “أتمنى”؛ بدلا من ذلك، استخدم كلمات إيجابية مثل “سأفعل” أو “أنا”.  

 

5. تصور كل رغبة في رأسك كما لو كنت قد حققتها بالفعل. 

 

6. اكتب كيف تؤثر كل أمنية على حياتك من خلال تخيل سيناريو دقيق في رأسك. 

 

7. اقرأ هذه الأمنيات بصوت عال عدة مرات في اليوم بصوت قوي واثق، كما لو أنك بالفعل قد أنجزتها، خاصة قبل الذهاب إلى النوم وعندما تستيقظ مع تكرارها عدة مرات بين الاستيقاظ والنوم، وقم بذلك على مدى بضعة أسابيع. 

 

شخصياً، لدي ست أمنيات أواظب على تكرارها عدة مرات في اليوم على امتداد الشهرين الماضيين وحتى اليوم، وقد أثبتت فعاليتها معي. لذلك اسمحوا لي أن أشاطركم أحد التأكيدات الإيجابية التي أكررها: “من الآن فصاعداً، سأدير أموالي على نحو أفضل، وسأجذب الأموال والثروة لأمتلك وفيراً منها، وسأحرز هدفي المالي المتمثل بمبلغ XXX بحلول تاريخ xxx”.  

 

ذات مرة، سألت فتاة صغيرة والدها: “إذا كان كل شيء حول [HM1] مصيري مكتوب بالفعل، فما نفع التمني؟ فأجابها والدها: “ربما بعض الصفحات مكتوب فيها: “كما تتمنين”.  

 

المراجع:  

 

• العنوان هو من قصيدة “ذلك الذي لا يقهر” (Invictus) للشاعر ويليام إرنست هينلي 

 

• دورة الهوية المالية- تعلم مع أسامة نتو (withosama.com) 

One Comment Add yours

  1. I am Omar Gamal Mohamed Elsaid from Alexandria And i graduated from Alexandria University Faculty of Commerce in 2015.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s