الشجاعة في أن تكون مخطئا

في فيلم ذا بوست، تحافظ كاثرين غراهام، التي تؤدي دورها ميريل ستريب، على رباطة جأشها وهدوئها. لا تطلب التصفيق، ولا تتشبث بالبطولة. تستمع بصمت بينما يحذرها مستشاروها من الانهيار القانوني والفضيحة العامة التي قد تحدث إن نشرت الخبر، لما له من أبعاد سياسية كبيرة جدا. الغرفة مثقلة بالحذر، لكن صمتها ليس خضوعًا، بل بصيرة. وعندما تنطق أخيرًا: “قراري لازال قائما. سأذهب للنوم الآن.” لم تكن تلك لحظة تحد، بل لحظة كرامة. لم تدّعِ اليقين، بل قبلت احتمال الخطأ، واختارت أن تتصرف رغم ذلك. تلك اللحظة، المجردة من الدراما، كانت تجسيدًا للتواضع الفكري. في عالم يخلط بين الشك والضعف، تذكرنا غراهام أن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل القرار بالمرور خلاله برقي.

صداها يشبه حكمة الإمام الشافعي رحمه الله، “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.”

حين نتأمل كلمات الإمام الشافعي، ندرك أن الثقة في الرأي ليست ادعاء للحقيقة المطلقة، بل استعدادا لحمل القناعة بخفة، مع إدراك أن الحقيقة قد تسكن مكانا آخر. ومع ذلك، في كثير من الدوائر، يبدو الانسجام مع الوضع القائم أكثر أمانا من الصدق. نخشى أن نُوصم، أن يُساء فهمنا، أو أن نُهان لمجرد أننا وقفنا وحدنا. وربما أكثر ما نخشاه هو لحظة الاعتراف بأننا كنا، برغم كل الشجاعة والتحدي، مخطئين.

الضغط الاجتماعي حقيقي. وبحسب ما نحمله من أفكار أو ما نرغب في قوله، قد يصبح ذلك الضغط خانقا. لكن هناك طرقا للكلام دون أن نكون متمردين. من قراءة المكان، وزن الأثر المتوقع، واختيار اللحظة المناسبة، وتلك المقايسس ليست تنازلات، بل فطنة وحكمة. فالهدف ليس إثارة الجدل، بل أن يُسمع صوتك.

الواقع يعلمنا أن أكثر الأفكار تأثيرا لم تأت من السلبيين أو المستسلمين، بل من أولئك الذين تجرؤوا على الاختلاف، وظلوا متواضعين وصادقين مع أنفسهم بما يكفي ليعلموا أنهم لا يملكون كل الإجابات. بالنسبة لهم، الخطأ لم يكن فشلا، بل خطوة نحو الأمام. كان بالنسبة لهم تجربة تعلم، ومخاطرة ضرورية.

في عام 1927، حين استعدت شركة وارنر لإطلاق أول فيلم ناطق، سأل هاري وارنر ساخرًا، “من الذي يريد أن يسمع الممثلين يتكلمون؟” جملة أصبحت مرجعا عالميا في تاريخ سوء التقدير وضيق الأفق والخيال، تعكس لحظة تنكر فيها الخوف في هيئة يقين. لكن تحت السخرية يكمن ما هو أكثر إنسانية، ألا وهو الانزعاج من دخول المجهول. لم يكن وارنر يرفض الصوت، بل يرفض احتمال أن يتغير كل ما يعرفه عن السرد.

ونحن نفعل ذلك اليوم أيضا. في غرف الاجتماعات، والفصول الدراسية، وحتى في الحوارات اليومية، كثيرا ما نصمت خوفا من أن نكون مخطئين، أو غير مفهومين، أو حتى مرفوضين، فنختار القبول على الصدق.

وربما هذا هو جوهر المسألة. فأن تقول “ربما أكون مخطئًا، لكن يجب أن أعبر عن رأيي،” ليست خطأ، بل صفة وطبيعة إنسانية. في عالم يكافئ الضجيج أكثر من الفكر، أولئك الذين يرتجفون، ويترددون، ثم يختارون الكلام، هم غالبا من يتركون الأثر الأعمق.

«وأخيرًا، تذكّر هذا: الحقيقة لا تظهر إلا عندما يتلاشى خوفك من أن تكون مخطئًا.

المصادر:

  • فيلم The Post الصادر عام 2017

مدونات أخرى

لا تجادل

 كافي: أريد الحقيقة! جيسب: أنت لا تستطيع تحمل الحقيقة!  جيسب: يا بني،

فضيلة الانسحاب

كتب تطوير الذات الحديثة تنصحنا دائمًا بعدم الاستسلام أو الانسحاب، والبقاء على

تحدث معي

Discover more from Rakan Tarabzoni's Blog

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading