في مطلع عام 2026، توقفت مع نفسي لمراجعة ما أنجزته في عام 2025، معتمدا على أفكار في مقال سابق لي في مطلع 2024 بعنوان (مرحبا 2025)، وما حققته منذ ذلك الوقت. أعادت هذه الرحلة إلى ذهني أحد مقاطع توني روبنز، حين قال إن الحالة التي نعيشها اليوم ليست سوى (المعيار) الذي وضعناه وقبلناه لأنفسنا، حتى لو لم نعترف بذلك صراحة. وخصوصا إن لم يكن هناك خطة واضحة وجادة لرفع ذلك المعيار.
الكثير منا لا يستوعب كيف أن اختياراتنا اليومية هي من تكشف عن معاييرنا الحياتية الحقيقية. نقول إننا نريد التغيير نحو الأفضل، لكن أفعالنا تفضح بصمت ما نحن فعلا مستعدون لتحمله. قد يتحدث أحدهم بحماس عن رغبته في بدء مشروع، أو الدخول في علاقة مستقرة، أو تعلم مهارة جديدة، ثم تمضي الشهور دون أن يتغير شيء. ليس لأن الحلم غير حقيقي، بل لأن مشقة البدء في الحلم كانت أثقل من ألم البقاء كما نحن. نتمسك بوهم الألفة لأنها تمنحنا شعورا بالأمان، حتى وإن كانت تعرقل من نمونا وتطورنا.
هناك فرق بين ما نقول إننا نريده، وما نحن مستعدون فعلا للقيام به من أجل الوصول إلى أهدافنا. وفي تلك الفجوة تتشكل فكرة (النجاح المستعار). نبدأ بالبحث عن الطرق المختصرة، والانتصارات السريعة للتقدم، بدلا من خوض العمل المضني وغير المريح. نريد النتيجة دون مشقة الرحلة، والمكافأة دون حدود الانضباط. ومن يقع في هذا الفخ لا يدرك أن النجاح المستعار يمنحه نجاحا لحظيا، يتلاشى مباشرة بعد نشوة النجاح المؤقت.
قال جيمي كار في أحد عروضه جملة تختصر الحقيقة كلها، (الحياة التي تتمناها تكمن على الجانب الآخر من العمل الذي تتجنب القيام به). جملة بسيطة، لكنها تصيب جوهر المسألة. فكل ما له قيمة في الحياة يتطلب جهدا، وتحملا، واستمرارية. ولو كانت الطرق المختصرة فعالة حقا، لكان الجميع يعيشون الحياة التي يحلمون بها الآن.
وقد جسد روري، في فيلمThe Words الذي قام ببطولته برادلي كوبر، هذا المفهوم بطريقة مؤثرة في مشهد يجلس فيه وحيدا في شقته، ممسكا بمسودة الرواية للمرة الأولى. يقرأها في دفعة واحدة، منغمسا فيها بالكامل، يكاد يختنق من وقعها. كانت الرواية أجمل وأعمق بكثير من أي شيء كتبه من قبل، وبدلا من أن تلهمه للنمو، وقع تحت سحرها وقرر أخذ الطريق المختصر.
ذلك الصمت العميق يختصر جوهر النجاح المستعار: إغراء الطريق السهل حين نضطر للمواجهة الحقيقة القاسية حول المسافة التي ما زالت أمامنا. وعندما نختار النجاح المؤقت، فإننا نحرم أنفسنا من فرصة أن نصبح الشخص القادر على تحقيق تلك الإنجازات.
وفي كتاب (العقبة هي الطريق) لرايان هوليداي، يؤكد أن الصعوبات التي نتجنبها هي غالبا التجارب التي تصنع منا نسخة أقوى وأكثر نضجا. فالمعاناة التي نخافها هي ما يصقل شخصيتنا، والتحدي الذي نقاومه هو ما يصنع صلابتنا. وكل عقبة تواجهنا في طريق أهدافنا فهي الطريق نفسه. وعليه فلا يمكنك أن تختصر الطريق نحو أن تصبح الشخص الذي تطمح أن تكون.
وفي النهاية، نحن جميعا أمام أحد الخيارين، إما أن نطارد مظهر التقدم الزائف، أو نلتزم بالعمل الحقيقي الشاق والمضني. النجاح المستعار قد يمنح وهجا مؤقتا، لكنه ينهار عند أول اختبار. أما طريق التحول الحقيقي فهو أبطأ، وأكثر تعقيدا، وغالبا ما تمشيه وحيدا.
وكما قال رايان هوليداي في كتابه، فالعقبة لا تقف في طريقك؛ بل هي الطريق. وعندما نتوقف عن الهروب من المواجهة ونبدأ في الخوض في التحدي، نكتشف أن الحياة التي تمنيناها لم تكن بعيدة المنال. كانت فقط تنتظر منا أن نرتقي إلى مستوى المعيار الذي ندعي أننا نريده.
المصادر:-
- فيلم The Words عام 2012
- كتاب (العقبة هي الطريق) لريان هوليداي



