تقول له إنها تحبه، وتطلب منه أن يرافقها إلى كاليفورنيا. يرفض طلبها، فتلح عليه ليوافق، فيلجأ إلى الجفاء في الرد. ويخبرها أنه لا يحبها، ويبدأ باستخدام ماضيه ونشأته في دور رعاية إلى جراحه القديمة كدليل لمشاكله، ويتهمها بأنها تبحث عن مشروع تديره لا عن إنسان تنبي علاقة معه، ثم يتركها ويذهب.
كل من شاهد فيلم “Good Will Hunting” يتذكر هذا المشهد، ويفسره أغلبنا في المرة الأولى بنفس الطريقة: (ويل) لم يحب (سكايلر) بما يكفي ليبقى معها. لكن عند مشاهدة الفيلم مرة أخرى، ستكتشف زاوية أخرى. فهو لم يرحل لأنه لا يبالي، بل لأنه يبالي أكثر مما يحتمل. مسألة أن تعرفه (سكايلر) على حقيقته، وأنها قد ترحل وتتركه يوماً ما، أمر يرعبه أكثر من فكرة خسارتها الآن. فيختار هو أن ينهي العلاقة بنفسه، وبشروطه. فالرفض الذي تكتبه بيدك لا يعتبر رفضًا.
ولو أمعنت النظر، فستجد أن ما استفزه لم يكن شجاراً ولا خيانة، بل عرضا بالحب والقبول. ولو راجعت ما قاله وهو في طريقه للخروج: إنها ستتركه في اللحظة التي ترى فيها حقيقته. لرأيت أن رده لم يكن إلا نبوءة وهمية اقنع بها نفسه، وكان يعمل على تحقيقها دون أن يستوعب.
هذه هي القراءة الخاطئة عند محاولة تحليل رد الطرف الآخر دون قراءة حقيقة لما يقصدونه، وهي لا تقتصر على الأفلام فقط. فهي تحدث في علاقاتنا الزوجية وصداقاتنا وحتى في مكاتبنا كل يوم، بين أشخاص يريدون الشيء نفسه تمامًا، لكنهم يقرأون بعضهم بعضًا بطريقة خاطئة.
الطبيب النفسي وعالم الأعصاب، الدكتور (أمير ليفين)، صاحب الكتاب الأكثر مبيعاً “Attached”، عاد هذا العام بكتاب جديد هو “Secure”، وهو من أمتع الكتب التي قرأتها في هذا المجال. نقطة انطلاقه أن كلاً منا يحمل نمط تعلق يتشكل قبل أن يكون لديه رأي فيه. القلقون يحتاجون إلى الطمأنينة، ويقرأون الصمت على أنه هجر. المتجنبون يحتاجون إلى مساحة، ويقرأون القرب على أنه ضغط. الخائفون المتجنبون يريدون الاثنين معاً، ولا يثقون بأي منهما. أما الآمنون فيتحركون خلال ذلك كله، وحولهم ما يشبه فقاعة مرنة.
راقب ما يحدث حين يلتقي القلق والمتجنب. الطرف القلق يرسل رسالة متابعة، بينما الطرف المتجنب، وقد شعر بالضغط، فيؤخر الرد. يفسر القلق هذا التأخير على أنه تأكيد لمخاوفه، فيرسل رسالة ثالثة، فينسحب المتجنب أكثر.
ببساطة، الطرف القلق يحاول القرب ليشعر بالأمان، والطرف المتجنب يحاول البعد ليشعر بالأمان. لا أحد منهما ينوي إيذاء الآخر، فكلاهما يحمي نفسه من خطر يعتقد واهما أن الآخر يشكله.
الخطة التي يقدمها الدكتور (أمير ليفين) لكسر هذه الحلقة هي استخدام نظرية مكونة من خمس صفات للحفاظ على نظام المراقبة الاجتماعية في الدماغ هادئًا، وسماها اختصارًا CARRP.
- الثبات(Consistent) أن تكون الشخص نفسه في أيامك الجيدة وايامك الصعبة.
- التوفّر (Available) أنه يمكن الوصول إليك ان دعت الحاجة، فأنت لا تختفي في الأوقات الصعبة.
- الاستجابة (Responsive) أن تجيب عند التواصل معك وتفهم ما يقال وترد دون أن تفترض المعنى.
- الموثوقية (Reliable) أن تلتزم بوعودك وكلامك.
- القابلية للتوقّع (Predictable) أن يستطيع الناس توقع تصرفاتك، غير متقلب المزاج.
هل تلاحظ ما غاب عن هذه القائمة؟ فهي لا تطالبك بأن تمنح حباً أكثر، أو تهتم بشكل أكبر، أو تغير مشاعرك. بدلاً من ذلك، تركز على أن تكون شخصًا تتصرف بشكل متوقع وآمن. الأمان لا يتشكل عبر المواقف الكبرى فقط، بل يُبنى من التفاصيل اليومية: كالرد الذي يأتي في الوقت المتوقع أو المزاج الذي يمكن للآخرين توقعه. لذا، فإن الاعتذار الدرامي غالباً لا يصلح الضرر. وكما يقال، إيداع كبير واحد لا يعوض حسابًا ظل مكشوفا لفترة طويلة.
واعلم أن هذه التصنيفات مفيدة للتشخيص، لكنها ضارة كهوية. “أنا متجنب” هي نقطة بداية، وليست تعريفاً لشخصك. وقد أفاد الدكتور (أمير ليفين) في كتابه أن النمط ليس قدرا محتوما، وأنه بإمكان أي شخص أن يتعلم كيف يصبح آمناً.
(ويل) جعل من مخاوفه النفسية نبوءة ذاتية التحقق وسعى لجعلها واقعا، فبنى النهاية التي كان يخافها، ثم أشار إليها بوصفها دليلاً على فشل العلاقة.
لذا في المرة القادمة التي يصمت فيها أحدهم، أو ينسحب، اسأل السؤال الأصعب: هل تقرأه هو، أم تقرأ نفسك؟
المصادر:-
- فيلم Good Will Hunting (1997)
- كتاب للدكتور أمير ليفين Secure: The Revolutionary Guide to Creating a Secure Life
- كتاب لأمير ليفين وراشيل هيلر Attached: The New Science of Adult Attachment



